عندما برّر شيخ العرب وحكيم البطانة أبو سن مطالبته مدير المديرية بتغيير مفتش المركز بأنه «طوّل» رغم أنه «كويس»، إنما كان يلخص ببلاغة، المضار والمثالب التي تنتج عادةً من طول البقاء في المناصب دون أي إحساس بخطر يتهدد المنصب أو منافس ينازع عليه مما يشجع على الاقل للركود والركون والخلود إلى الراحة والدعة، هذا إن لم يحفّز طول البقاء على ممارسة البغي والفساد والعدوان، ومن هذا الباب فإن أية إنتخابات تعددية أياً تكن درجة نزاهتها وعدالتها وشفافيتها تبقى آلية مهمة لمكافحة مساوئ طول البقاء على سدة المناصب والاستئثار بالسلطة واحتكارها وذلك بما تحدثه من حراك سياسي يجعل المتنفذين يتحسسون مقاعدهم بدلاً من مسدساتهم التي ظلوا يتمنطقون بها عوضاً عن أي منطق، ولهذا فإن الانتخابات الجارية مهما كان سوئها لو لم تفعل سوى إشعار الدائرة الضيقة التي ظلت تتوارث السلطة وتتبادل المناصب بأن الامر لم يعد كذلك حتى داخل حزبهم لكفاها ذلك والعافية درجات وحسبها هذه البركة في هذه المرحلة...
ومن بركات الانتخابات بالمعنى الذي أشرنا اليه، هو ما نشهده من «حركة» باتجاه الجماهير وقضاياها ولو كانت «حركة في شكل وردة» لكسب صفها وخطب ودها من أجل صوتها الانتخابي، ومن ذلك الاهتمام المتعاظم الذي وجدته قضية المزارعين المعسرين والتي صدر بشأنها توجيهان قويان متتابعان من اعلى المراجع بالدولة، صدر الاول في فاتحة الشهر ثم اعقبه الثاني بعد يومين، وكلاهما يقضيان بتجميد مديونيات المزارعين المعسرين وجدولتها، ليس ذلك فحسب بل قضيا أيضاً بتمويلهم للموسم القادم، وهذان توجيهان مفرحان، فرح بهما ولهما بلا شك كل المزارعين معسرين وغيرهم، ويقيني ان لسان حالهم ومقالهم يردد الآن «تعيش الانتخابات»، إذ لم يعد بمقدور البنك الزراعي التنكر لهذين التوجيهين الرئاسيين أو الالتفاف عليهما كما ظل يفعل مع كل التوجيهات السابقة التي كان يضرب بها عرض الحائط ثم يضرب في الارض بحثاً عن المعسرين لزيادة عسرتهم بايداعهم الى السجون وكأنما كانت كل كلمة في تلك التوجيهات تعني ضدها فتتحول الدعوة إلى جدولة الديون إلى إيداع داخل السجون، الآن لا يستطيع البنك ممارسة هوايته في التربص بالمزارعين واصطيادهم واقتيادهم إلى الحراسات كدأبه معهم منذ أن أطلت قضية الاعسار متزامنة مع عثرات سياسات الخصخصة والتحرير، والسبب بسيط هو ان التوجيهات تصدر هذه المرة في موسم الانتخابات وذلك ما يطمئننا بأنها لا بد نافذة ومنفذة وإلا فلن يبقى تنفيذي بالبنك، فبشرى للمزارعين وطوبى للانتخابات رغم ما يمكن ان يقال حول هذه التوجيهات من انها استغلال لوضعية ليست للآخرين، فهي على كل حال بركة من بركات الانتخابات لا بد من ان نحمد الله عليها...