صيف سياسي ساخن في مصر..حل البرلمان تمهيدا لترشيح جمال مبارك للرئاسة
تعيش القاهرة صيفا ساخنا. فدرجات الحرارة مرتفعة للغاية، وبالتالي بدأت هجرة النخبة السياسية إلى المنتجعات الساحلية، ولكنها لن تستطيع الاستمتاع بإجازة هادئة، في ظل وجود أنباء وتوقعات قوية للغاية، حول حل مجلس الشعب (البرلمان) في أي وقت، تتبعه انتخابات مبكرة في غضون عدة أسابيع. هذا ما سوف يجعل هذا الصيف ملتهبا مع بدء حالة الطوارئ داخل الأحزاب السياسية والنواب الحاليين والطامحين إلى ترشيح أنفسهم للانتخابات المقبلة.
وجد رئيس البرلمان، الدكتور أحمد فتحي سرور، الذي تولى رئاسة المجلس 19 دورة متتالية ــــ مسجلا بذلك رقما قياسيا على مستوى برلمانات العالم ــــ نفسه محاصرا باتصالات النواب والقوى السياسية تطالبه بتصريح حاسم حول مصير المجلس الحالي. سرور لم ينف ولم يؤكد خبر الحل، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الدستور يعطي لرئيس الجمهورية حسني مبارك الحق في حل المجلس قبل اكتمال المدة القانونية، وذلك لأسباب يقدرها الرئيس، مثل: تأزم العلاقة بين المجلس والحكومة، أو عدم قدرة المجلس على انجاز القوانين المقدمة إليه، أو وجود مخاطر تهدد الاستقرار والأمن القومي. وكل هذه الأسباب غير متوافرة في الوقت الحالي. فالمجلس يعمل بدون أي عراقيل، في ظل تمتع الحزب الوطني الحاكم بأغلبية برلمانية تفوق الـ 300 نائب. وبالتالي لا توجد مشاكل على الإطلاق في إقرار مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة للمجلس استنادا إلى الأغلبية الساحقة للحزب الوطني.
صحيح أن المعارضة تمكنت من إعلان رأيها في مشروعات القوانين وميزانية الدولة وخطط الحكومة، وأبدت كثيرا من الاعتراضات، إلا أن ذلك لم يؤد أبدا إلى عرقلة عمل المجلس. والأهم من كل ذلك تغيير التركيبة السياسية التي لها الحق في تحديد المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية.
معركة الرئاسة
يصبح السبب الوحيد للتبكير بإجراء انتخابات مجلس الشعب هو الاستعداد لإجراء انتخابات الرئاسة في منتصف عام 2011 في ظروف هادئة وملائمة واستغلال الظروف المحلية والإقليمية الحالية لإجراء انتخابات مجلس الشعب.
فعلى المستوى المحلي يعتبر إجراء الانتخابات هذا الصيف بمثابة توجيه ضربة ساحقه للقوى السياسية الأخرى، خاصة جماعة الإخوان، حيث استندت هذه القوى إلى أن أمامها فرصة حتى نهاية العالم المقبل لإجراء الانتخابات، حيث تنتهي مدة هذا المجلس في 12 ديسمبر 2010. وبالتالي يجب أن تتم الانتخابات قبل نهاية المدة بشهرين كاملين على الأقل. وهو ما جعل تلك القوى تعتبر أن عام 2010 هو عام انتخابات مجلس الشعب، وعام 2011 هو عام انتخابات الرئاسة مع الترابط الشديد بين المناسبتين.
ويبدو أن الحزب الوطني أعطى الضوء الأخضر للرئيس للإقدام على حل المجلس الآن. فهو أكثر الأحزاب جهوزية لخوضها، في ظل النجاح الكبير للجنة السياسات التي يقودها جمال مبارك (نجل الرئيس) في تنفيذ برامج لتطوير العمل الحزبي من ناحية وفي العمل الجماهيري من ناحية أخرى– خاصة البدء في تنفيذ برنامج تنمية الألف قرية الأكثر فقرا حيث اشتملت المرحلة الأولى على 400 قرية يجرى تنفيذ مشروعات هائلة بها. وبالتالي ستكون هناك فرصة أمام الحزب الوطني لتوظيف تلك المشروعات لصالحه انتخابيا، إضافة لإقرار الحزب بإسقاط ديون آلاف الفلاحين المتعثرين للبنوك والاستمرار في دعم المنتجات الزراعية (يتم شراء القمح المحلي بــ 250 جنيها للأردب مقابل 180 جنيها للمستورد).
انجازات حكومية «هادفة»
وتبدو الظروف الاقتصادية والاجتماعية هذا الصيف أفضل بكثير من العام الماضي. فالاضرابات العمالية والنقابية تراجعت بعد أن كانت وصلت ذروتها في 2008. كما أقرت الحكومة رفع الرواتب بنسبة 30% العام الماضي وعلاوة أجمالية بنسبة 10% هذا العام، مما جعل جيش الموظفين الذي يضم قرابة 6 ملايين موظف يشعرون بتحسن أحوالهم الوظيفية.
ووفق تقديرات الحزب الوطني والتقديرات الحكومية تراجع التضخم بشدة من 23% العام الماضي إلى 11% هذا العام، وبالتالي تراجعت حركة الاحتجاجات العامة، مع زيادة الإنفاق الحكومي على دعم السلع الرئيسية والخدمات واختفاء الأزمات هذا العام، خاصة أزمة الخبز التي كانت مشتعلة العام الماضي، وكانت تحدث معارك حقيقية للحصول على الخبز، واسطوانات «الغاز» وقد اختفى ذلك كله هذا الصيف.
وعلى المستوى الشخصي فإن التعاطف الشعبي لوفاة حفيد الرئيس مبارك، أظهرت عدم معارضة قطاعات شعبية لإمكانية ترشيح جمال مبارك للمنافسة على الرئاسة، ذلك أن أسرة الرئيس مبارك أظهرت اهتماما كبيرا بقطاعات العامل المدني الأهلي وفي المجالات الصحية والثقافية والرياضية، واهتمت زوجة الرئيس سوزان مبارك إلى جانب دور محدد لعلاء مبارك (الابن الأكبر للرئيس) بالرياضة وخاصة المنتخبات الوطنية، وهو ما يدعم صورة أسرة الرئيس بشكل إيجابي، ويعزز فرص جمال مبارك بشدة للترشيح للرئاسة.
البدائل والمؤسسة العسكرية
على صعيد آخر، فان انعدام البدائل سواء باستبعادها أو حصارها، أو عدم نجاح أي من الشخصيات السياسية في المعارضة أو حتى داخل الحزب الوطني الحاكم، جعلت من جمال مبارك بمثابة المرشح الوحيد المقبول، على أساس أنه «تربى» في مؤسسة الرئاسة وتدرج في العمل الحزبي، وأثبت نجاحا كبيرا في تحريك الحزب الوطني. وهو ما أثنى عليه الرئيس مبارك بالإشارة إلى المساعدة الهائلة التي يقوم بها ولده.
ولعل أبرز المنافسين لجمال مبارك زعيم «حزب الغد» أيمن نور الذي حل تاليا وراء الرئيس مبارك في الانتخابات التعددية الرئاسية الأولى في مصر في 2005، ولكن تعرضه إلى السجن خمس سنوات قبل أن يخرج بعفو صحي، ولكن الحكم الصادر بحقه يمنعه من الترشيح لمنصب الرئاسة.
وتبدو الأحزاب السياسية مثل التجمع والوفد أقرب إلى قبول مرشح الحزب الوطني، في ظل رفضهما الكامل لمرشح قادم من جماعة الاخوان المسلمين أو حتى المؤسسة العسكرية التي انفردت منذ ثورة يوليو 1952 بتقديم الرؤساء، وبالتالي فإن الظروف الحالية ستكون ملائمة جدا لكي يتمتع جمال مبارك بالحصول على دعم المؤسسة العسكرية الكامل في ظل وجود الرئيس مبارك في الحكم.
وهناك سيناريو يتردد بشدة في الأوساط السياسية حول رغبة الرئيس مبارك في الاستقالة مبكرا قبيل انتهاء مدته الرئاسة الحالية، وبعد إجراء انتخابات مجلس الشعب الجديد لإفساح المجال أمام انتخاب جمال، حيث يحق الترشيح اعتمادا على الأغلبية المطلقة اللازمة لدعم الترشيح من جانب نواب مجلس الشعب من الحزب الوطني، وكذلك نواب مجلس الشورى والمجالس المحلية.
وهذا السيناريو قد يكون مثاليا في الظروف الحالية، خاصة أن الظروف الإقليمية والدولية تساعد أيضا على نجاح مثل هذا السيناريو.
ظروف إقليمية ملائمة
فالزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي باراك أوباما للقاهرة، ثم الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف، وبدء جهود المصالحة العربية الحقيقية، توفر مناخا إقليميا ملائما للسياسة المصرية، التي تبرز من جديد باعتبارها قادرة على التأثير في القضايا العربية وخاصة الملف الفلسطيني.
وفي ظل تعرض البلدان العربية الأخرى لمشاكل كبيرة (خاصة السودان) ومحاولة سوريا الدخول إلى حلبة العمل السياسي لتحرير أراضيها بالاتصال المباشر مع واشنطن، وانشغال الجماهير، الليبية بالقضايا الأفريقية، فان المقارنة تأتي في صالح السياسة المصرية التي يصب في صالحها أيضا عدم الانجراف وراء أي مغامرات غير محسوبة على المستوى الإقليمي، وقضية السلام مع إسرائيل. أضف الى ذلك أن الانتقادات الخارجية التي كانت توجه الى مصر بخصوص حقوق الإنسان والديموقراطية قد خفت نسبيا.
وأظهرت إدارة الرئيس أوباما احتراما للخيارات المحلية لدول العالم، بما فيها الخيارات الداخلية المصرية. وأتيح للإدارة الأميركية التعرف مباشرة على جمال مبارك الذي أفتتح فصل التقارب الحالي بزيارة الى الولايات المتحدة مطلع العام، ورحبت أوساط أميركية به باعتباره (مثل أوباما) يمثل جيل الشباب والحيوية. كما أظهرت تلك الأوساط احترامها لقرارات وترشيح الحزب الوطني الحاكم، خاصة أن واشنطن شهدت وراثة للحكم عن طريق الانتخابات جاءت ببوش الابن خلفا لبوش الأب. وها هي هيلاري كلينتون تحتل منصب وزارة الخارجية وكانت مرشحة للرئاسة، وهي حجة تدعم فرص جمال في الترشيح، وتجعل النموذج المصري مختلفا عما حدث في سوريا وكوريا الشمالية.
وفيما ترجح التقارير إقدام الرئيس مبارك على انتهاز هذا التوقيت المثالي لبدء سلسلة عمليات سياسية، تبدأ بانتخابات مجلس الشعب، فان القرار يصبح يزال طي الكتمان، وبالتالي يصبح هذا السيناريو مجرد تكهنات وحسابات في الشارع، ذلك أن الحسابات الحقيقية والمؤثرة لا تزال في قصر الرئاسة.
القاهرة ــــ أحمد سيد حسن:
القبس
تم إضافته يوم السبت 04/07/2009 م - الموافق 12-7-1430 هـ الساعة 4:05 صباحاً