| |
| كاتب الموضوع :
إبراهيم عبد الغني المنتدى :
الراكوبة العامـة
بتاريخ : 19-01-10 الساعة : 04:22 PM
(2) نجلسُ متجاورين و كوبان من القهوة بيننا ..
أهرُب دائماً من الجلوس أمامها .. خوفاً من عينيها اللتين تبحران في أعماقي, و تستشفان ما أخفي ..
لها عينان تفوقان أعظم أجهزة كشف الكذب ..
تلتقي عينانا .. وبنظرةٍ واحدةٍ تقرأني ككتاب مفتوح .. و إمعاناً في التأكيد , تضع توقيعها , على شكل سؤال تعلمُ جوابه .. و تتسلى برؤيتي مرتبكاً , و أنا أحاول البحث عن تبرير أو جواب بدونَ أن أفضح نفسي !..
نجلسُ و كوبان من القهوة بيننا ..
لطالما تعجّبت من حبها للقهوة .. فهي في رأيي مشروبٌ ذكوري محض ..
و كلما قلت لها هذا , أفحمتني بردّ مسكت , عن جهلي و تخلفي !
نجلسُ متجاورين ..
لكن هذا لم يمنعها من أن تلتفت نحوي , لتسلط علي كشافيها و تتفحّصني في إمعان ..
تشاغلت بارتشاف القهوة , ريثما تنهي فحصها الروتيني .. مطمئناً أنني في أمان , طالما عيني بعيدتان عن بصرها
فجأةً سألتُها سؤالاً أضحكها بشدة ..
"هل تظنين أنني مجنون ؟"
بعد أن تمالكت نفسها من الضّحك , عادت لتسلط علي كشافيها ..
"لماذا هذا السؤال ؟!"
"فقط خاطرٌ عنّ لي .. هل يدري المجنونُ بأنه جُن ؟ .. لفترةٍ طويلةٍ كنت أنعت نفسي بالجنون .. لربما كنتُ مجنوناً فعلاً و أنا لا أدري !"
صمتت لوهلة و هي تتأمل الكوبَ الفارغ بين يديها ..
"حقيقة لا أعلم .. أنت بالذات لستَ مجنوناً حتى الآن .. لكنني لا أنفي أنكَ في الطريق ! .. لكن تأكد أنك يوم تجن ستعلم .. مثلك لا يمضي جنونُهم بسهولة !"
ثم استدرَكت :
"إدجار الآن بو قالَ يوماً (لقد أصبحت مجنوناً, مع فتراتٍ طويلةٍ من الوعي !) .. أعتقد أن هذا الوصف ينطبق عليك تماماَ !"
فكرت في كلامها قليلاً ..
دائماٌ ما تبهرني بكلماتها الممتلئةِ حكمةً و نضوجاً ..
برغم سنوات عمرها التي بالكاد تجاوزت العشرين ..
حين رفعت رأسي وجدتها تنظرُ لي في حنان ..
قالت لي بصوتٍ خفيض :
"فقط أقلع عن هذا التفكير الكثير .. أنت تجعل من كل شيئ مشكلة .. حاول أن تتأقلم .. العالم الذي تريده لا وجود له إلا داخل رأسك فقط "
تذكرت تعليقاً طريفاً لصديق لي قبل فترة .. كنا نراقب بعض المحتفلين بفوز فريقهم , في مباراة للكرة ..
وهم يقفزون فوق العربات , و يخرجون رؤوسهم من النوافذ , صارخين في هيستريا ..
قال لي صديقي في إحباط : " المشكلةُ أنهم في نظر الناس هم العقلاء .. و هذه التصرفاتُ عاديةٌ جداً .. أما نحن , من ننظر لهم متعجبين .. و نجلس دون اهتمام .. فيروننا مجانين !"
حكيت لها تعليق صديقي .. فضحكت قليلاً .. ثم قالت لي :
"عليك أن تتظاهر بأنك شربتَ من البئر!"
نظرت لها في تعجب .. فأكملت :
"هذا التعليق من قصةٍ لباولو كويلو , على لسان امرأة في مستشفى المجانين ,
حيث حكت للبطلة قصة البئر التي شرب منها كل من في القرية فصاروا مجانين ..فلم يدر الملكُ ماذا يفعل ..
هنا اقترحَت عليه زوجته أن يشربوا من البئر , فأن تكون العاقل الوحيد وسط المجانين يعني أنك أنت المجنون ! ..
ثم نصحت البطلة بهذه النصيحة العبقرية.. ( علينا أن نتظاهر بأننا شربنا من البئر !) "
رددت خلفها في خفوت : " نتظاهر بأننا شربنا من البئر !"
و بدأت أتخيلُ نفسي حاملاً علم فريق ما.. و أنا أقفز في الشارع و أصرخُ بأعلى صوت ! .. و لا بأس من بعض الشتائم لمشجعي الفريق الآخر ! .. لا أظنني قادراً على كل هذا التظاهر ..
انتزعتني من شرودي بآخر ما توقعته منها في هذه اللحظة :
" I don’t know about other people, but I like you like this "
دائماً ما تستعملُ الإنجليزية حين تريدُ قول شئ يشعرها بالخجل ..
نوع من الوسيط الذي يخفف من حدة الخجل .. مثلما تكتب رسالة لحبيبتك , بدل أن تحادثها وجهاً لوجه ..
لهذا مثلاً لا تستفزنا شتيمة بالإنجليزية , في حين أنها لو ترجمت إلى العربية لقتلنا قائلها ! ..
هنالك مشاعر , كالخَجل و الغضب , مبرمجة على لغةٍ معينة , لا تستجيب لغيرها ..
فتشت بلا فائدة عن رد يناسب هذا الموقف .. فجأة نسيت كل القصائد التي أحفظها .. و كل الكتب التي قرأت ..
تحول رأسي الى صفحة بيضاءَ غبية لا نفع منها .. فقط جملة واحدة ملأت كل الفراغ .. ووجدت نفسي أقولها مستعيراً طريقتها لدرء الخجل ..
"you are the only one who matters"
| | | | | |